العرش والجذور: قصة التلاحم العميق بين الأسرة العلوية والهوية الأمازيغية

هل تعلم أن "تمغربيت" الحقيقية هي نتاج قرون من المصاهرة والتحالف بين الشرفاء العلويين والقبائل الأمازيغية؟

لم تكن العلاقة بين السلاطين العلويين والمكون الأمازيغي مجرد علاقة حكم، بل كانت علاقة دم، مصاهرة، وتاريخ مشترك. من جبال الأطلس التي احتضنت المقاومة، إلى القصور التي ضمت أميرات أمازيغيات أنجبن ملوكاً عظماء.

​في هذا المقال، نغوص في عمق التاريخ لنكشف كيف شكلت "الأمومة الأمازيغية" والقرارات الملكية الجريئة وجه المغرب الحديث المتصالح مع ذاته.

​1. أخوال الملوك: المصاهرة التاريخية (علاقة الدم)

​لا يمكن الحديث عن السلالة العلوية بمعزل عن حاضنتها الأمازيغية. فبينما يعود النسب الشريف (الأبوي) إلى الدوحة النبوية القادمة من الحجاز، فإن "الرحم" الذي احتضن هذا النسب في كثير من المحطات كان أمازيغياً خالصاً.

​أمهات السلاطين: تاريخياً، تزوج العديد من السلاطين العلويين من نساء ينتمين لقبائل الأطلس المتوسط والكبير (مثل قبائل زيان وكروان).

​الملك محمد السادس: والدته هي "لالة لطيفة"، التي تنحدر من عائلة عريقة في قبائل الأطلس (منطقة خنيفرة). وهذا ما يجعل الملك الحالي يحمل في عروقه دماءً أمازيغية أصيلة، وهو ما يفسر ارتباطه الوجداني الكبير بهذه المناطق.

​هذا المزيج البيولوجي والثقافي جعل العائلة الملكية هي "الرمز الحي" للوحدة الوطنية، حيث يرى فيها العربي والأمازيغي امتداداً له.

​2. خطاب أجدير: الزلزال الثقافي الإيجابي (2001)

​شكل خطاب الملك محمد السادس في منطقة "أجدير" بخنيفرة سنة 2001 نقطة تحول لم يسبق لها مثيل في تاريخ شمال أفريقيا.

في هذا الخطاب التاريخي، أسس الملك لمفهوم جديد:

​"الأمازيغية مِلك لكل المغاربة بدون استثناء".

​لم تعد الأمازيغية "مسألة قبلية"، بل أصبحت "رصيداً وطنياً". وبموجب هذا التوجه، تم إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (IRCAM)، لتبدأ رحلة رد الاعتبار للغة تيفيناغ من المتاحف إلى المدارس.

​3. من "لغة دستورية" إلى "عطلة وطنية"

​لم تتوقف العناية الملكية عند الخطابات، بل تحولت إلى إجراءات دستورية وقانونية غيرت وجه المغرب:

​دستور 2011: في سابقة بدول المنطقة، أقر الدستور المغربي الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية، مما أنهى عقوداً من التهميش القانوني.

​رأس السنة الأمازيغية (إيض يناير): في قرار تاريخي حديث، أقر الملك رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، ليوضع هذا العيد جنباً إلى جنب مع الأعياد الدينية والوطنية الكبرى.

​4. الملك الإنسان: "أنا نصف أمازيغي"

​في إحدى التصريحات النادرة التي نقلتها مصادر إعلامية موثوقة، عبر الملك محمد السادس عن فخره بجذوره، مشيراً إلى أنه يعتبر نفسه جزءاً لا يتجزأ من هذا المكون.

هذا ليس مجرد كلام، بل يترجمه الواقع:

​الزيارات الملكية المتكررة للمناطق الجبلية النائية.

​إطلاق مشاريع تنموية في عمق الأطلس والريف وسوس.

​حرص الملك على الظهور بالجلابة المغربية والسلهام الذي يعكس تقاليد عريقة مشتركة.

​5. الخلاصة: الأمازيغية والعرش.. ثنائية الاستقرار

​إن سر قوة المغرب يكمن في هذه "الخلطة السحرية". العائلة العلوية لم تحكم المغرب بصفتها "قوة وافدة"، بل اندمجت في نسيجه الاجتماعي عبر المصاهرة والتحالف.

​اليوم، لا يمكن الفصل بين العرش والهوية الأمازيغية؛ فالأول يستمد شرعيته التاريخية من البيعة والنسب، ويستمد شرعيته الشعبية من تبنيه لقضايا الهوية الوطنية، وفي مقدمتها الأمازيغية.

​المغرب اليوم يقدم درساً للعالم: التعدد الثقافي ليس عاملاً للتفرقة، بل هو صمام أمان وقوة، عندما ترعاه قيادة تؤمن بأن الوطن يتسع للجميع.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال